الشيخ محمد هادي معرفة

30

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » . « 1 » فهذه الآيات تدلّ على أنّ القرآن النازل كان عند اللّه أمرا أعلى وأحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطّع والتفصيل ، لكنّه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقروءً وألبسه لباس العربية ، لعلّهم يعقلون ما لم يكن لهم سبيل إلى تعقّله ومعرفته ما دام في امّ الكتاب . قال تعالى : « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » « 2 » فالإحكام هو كونه عند اللّه لا ثلمة فيه ولا تفصيل ، والتفصيل هو جعله فصلًا فصلًا وآيةً آيةً وتنزيله على النبيّ صلى الله عليه وآله . « 3 » ولعلّ ما زعمه ابن‌تيميّة ناجم عن خلط أمر المصداق بأمر التأويل ، إذ لم يعهد إطلاق اسم « التأويل » على الوجود العيني ، وإنّما يطلق عليه اسم « المصداق » حسب مصطلح الفن . فإنّ كلّ لفظة لها مفهوم هو ما يتصوّره الذهن من دلالة ذلك اللفظ . ولها مصداق هو ما ينطبق عليه ذلك المفهوم خارجا ، كالتفّاحة لها مفهوم هو وجودها التصوّريّ الذهنيّ ، ولها مصداق هو وجودها العينيّ الخارجيّ ، ذو الآثار والخواص الطبيعيّة ، ولم يعهد إطلاق اسم التأويل على هذا الوجود العيني للتفّاحة أصلًا . ومنشأ الاشتباه أخذ التأويل من أصل اشتقاقه اللغوي بمعنى « مآل الأمر » أي ما يؤول إليه أمر الشيء كما في قوله تعالى : « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ » . « 4 » أي ينتظر هؤلاء لينظروا إلى ما يؤول أمر هذا الدين . . . ويوشك أن يأتي اليوم الذي ينتظرونه ، غير أنّ الفرصة قد فاتتهم ولات الساعة ساعة مندم . أمّا رأي سيّدنا الطباطبائي فلا يعدو توجيها لطيفا لتلك المزعومة وتعديلًا لها بعض الشيء وتبدو غريبة جدّا ! وقبل أن نتكلّم في وجه تفنيدها يجب أن نعرف أن ليس اللّوح المحفوظ شيئا ذا وجود بذاته ، كوعاء أو لوحة أو مكان خاصّ ، مادّيا أو معنويّا ، كلّا ، وإنّما

--> ( 1 ) - الزخرف 3 : 43 - 4 . ( 2 ) - هود 1 : 11 . ( 3 ) - راجع : الميزان في تفسير القرآن ، ج 3 ، صفحات 25 و 45 و 49 و 54 و 55 . ( 4 ) - الأعراف 53 : 7 .